عبد الباقي مفتاح

54

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

القوي المتوجه أيضا على إيجاد حرف الفاء ومنزلة سعد الأخبية من الدلو الهوائي . والفاء حرف تفشي النفس في الهواء المناسب بلطافته لطافة الملائكة والجن . كما ناسبهم لفظ سعد الأخبية فالخبأ هو الستر فهم السعداء المخبئون عن الأبصار . . . ويضاهيهم في الإنسان قواه الروحية . وأنسب الأنبياء لحضرة القوة هو موسى عليه السلام فقد وصف بالقوة في الآية 26 من القصص : إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ وأمره الحق تعالى بالقوة في الآية 145 من سورة الأعراف فقال له : فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها كما أمر تعالى قومه : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ( البقرة ، 63 ) . وسيرته مشحونة بمظاهر القوة ، فقد سمع كلام اللّه تعالى مباشرة فخص بكمال القوة السمعية وتحدى فرعون وقومه والسحرة وقوم اعوجاج بني إسرائيل وقتل القبطي بوكزة ، ورمى الألواح ليأخذ بلحية أخيه . . . وفي كتاب العبادلة نجد بابا تحت عنوان : " عبد اللّه بن موسى بن عبد القوي " . ولهذا ذكر الشيخ في هذا الفص لفظتي " القوي - قوة " نحوا من ست مرات في بداية الباب الذي افتتحه بالقوى الروحية التي جمعها موسى من جميع الأطفال الذين قتلوا من أجله وأرواحهم كالملائكة لأنهم استشهدوا على صفاء الفطرة . ومن مظاهر القوة في هذا الفص تسخير كل شيء للإنسان الكامل فبقوة مكانته الحاملة للأمانة كان له هذا التسخير ، حتى إن أقوى الملائكة في خدمته . . . وشبه الشيخ موسى بالجبل الشامخ في قوته . ورغم قوته ، فإنه خر صعقا لما تجلى ربه للجبل بعد طلبه الرؤية . ولهذا نجد الشيخ في الفصل 35 من الباب 198 الذي تكلم فيه عن الاسم القوي والملائكة يتكلم على مسألة هذه الرؤية فيقول : ( وليس في العالم المخلوق أعظم قوة من المرأة لسر لا يعرفه إلا من عرف فيم وجد العالم وبأي حركة أوجده الحق تعالى وأنه عن مقدمتين فإنه نتيجة . والناكح طالب والطالب مفتقر والمنكوح مطلوب والمطلوب له عزة الافتقار إليه والشهوة غالبة . فقد بان لك محل المرأة من الموجودات وما الذي ينظر إليها من الحضرة الإلهية وبماذا كانت ظاهرة القوة . وقد نبه اللّه على ما خصها به من القوة في قوله في حق عائشة وحفصة : " وان تظاهرا عليه - أي تتعاونا عليه - فإن اللّه هو مولاه - أي ناصره - وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " . هذا كله في مقاومة امرأتين وما ذكر إلا الأقوياء الذين لهم الشدة والقوة فان صالح المؤمنين يفعل بالهمة وهو أقوى الفعل . فان فهمت فقد رميت بك على الطريق . فأنزل الملائكة بعد ذكره نفسه وجبريل وصالح المؤمنين منزلة المعينين ولا قوة إلا باللّه . فدل أن نظر الاسم القوي إلى الملائكة أقوى في وجود القوة فيهم من